الإعلام المضلل وقضية تجديد الخطاب الدينى


Image may contain: 1 person

للدكتور حسن عبد العال كلية التربية جامعة طنطا

يقولون " قائل نصف الحقيقة يكذب " هذه المقولة تصدق على الإعلام فى طرحه لقضية تجديد الخطاب الدينى . فقد جلست أشاهد مذيعا بإحدى القنوات الفضائية ، يلقى باللائمة على الأزهر وعدم قدرته على تحديد الخطاب الدينى ، لا وبتهمه بالغشل ، وكرر قوله " لقد فشل الازهر فى تجديد الخطاب الدينى ولم يستجب لدعوة الرئيس " فى هذا الشان ومن هنا وبسبب ذلك كان الإرهاب . 
ولا يمكن أن نخلى الأزهر من مسؤوليته فى تجديد الخطاب الدينى وفى وضع الاسلام على خارطة العصر ، وتقديم المفهوم الصحيح للإسلام، وإبراز وجهه السمح الرحيم ، ولكن أن نعلق قضية الإرهاب بكاملها فى رقبة الأزهر وحده ومناهج التعليم فيه ، هنا تختفى نصف الحقيقة ، أن لم يكن الجزء الأكبر منها . وهنا أيضا يبدو جهل المذيع المركب ، فابن لادن و الظواهرى والزرقاوى وسواهم لم يتلقوا تعليمهم فى الأزهر ، ولم يخضعوا لمناهج التعليم فى معاهده وجامعته ، ومع ذلك قادوا حركة الإرهاب فى العالم ، انهم ثمرة جماعات رفعت شعارات الحاكمية الإلهية والحكومة الدينية . انهم ثمرة ما اشتغل عليه مرشدون وأمراء جماعات طوال عقود لتهيئتهم واعدادهم ، وتآمرت معهم أنظمة الحكم ، بعيدا عن مؤ سسات الأزهر التعليمية . فانشات هذه الجماعات جيلا متشددا متطرفا وعدواتى وانتقامى . 
وما لا يدركه المذيع أن الإرهاب عمل مركب وملتبس ، ومتابعه مختلفة ومتعددة ، فقد يكون مصدره الفقر او القهر او الظلم مما يدفع البعض إلى الجروح على العالم شاهرا سيفه او رشاشه .
من هنا كان من الخطأ ان يحارب الإرهاب على جبهة الأزهر وحده ومناهجه التعليمية ، بل يحارب الإرهاب على جبهات متعددة : 
على جبهة الفقر بالتنمية الاقتصادية العادلة ، وعلى جبهة الاستبداد بالإصلاح السياسى والتغيير الديموقراطي والعمل المدنى ، وعلى جبهة الأنظمة والقوانين بتوسيع مساحات الحرية والحقوق ، وعلى جبهة الإعلام بتغليب منطق التفكير النقدي والعمل على تنوير الرأى العام بالكف عن لغة التعبئة والشعوذة ، وعلى جبهة التعليم الدينى بالتخلى عن منطق التطرف والتكفير ، وعلى الجبهة الثقافية بتجديد اشكال المصداقية المعرفية والخلقية والسياسية ، وتطوير صيغ العقلنة وأنساق الفكر بصورة تتيخ ما نحتاج اليه فى التعاطى مع العالم الذى يزداد تعقيدا والتباسا .