الكتاتيب وتحديث المجتمع المصرى


للدكتور حسن عبد العال. متابعة احمد عبد الحميد 


أعلم أن هذا العنوان قد يثير دهشتك ، ويجعلك تسأل : كيف لهذه المؤسسة التقليدية الموغلة فى المحافظة ، أن ساهمت فى تحديث المجتمع المصرى ؟ وكيف لرجل مثلى يعمل فى حقل التربية أن يسطر بقلمه هذا العنوان ؟

يجيب عن سؤالك استرداد التاريخ ، ومراجعة حوادث ما كان يسمى بعصر الانحطاط ، وقد قام المؤرخون بدراسته للوقوف على أسباب تخلف المجتمع الحضارى والتعرف على اسباب الانحطاط . لكنهم حين عرضوا لمسألة التعليم آنذاك -- كما تقول نيللى حنا فى دراستها " اللغة العامية وأنماط التحديث وكنت قد اطلعت عليه منذ زمن - حين عرض المؤرخون للتعليم فى هذا العصر ، وجدوا انتشار الكتاتيب التي تقوم بتعليم القراءة والكتابة ومبادىء الحساب ، إلى جانب القرآن الكريم ، وقد أنشئت هذه الكتاتيب فى جميع أنحاء العاصمة المصرية ، فى حى الجمالية والدرب الأحمر والغورية والأزبكية . . . الخ ، فكان يوجد فى القاهرة فى أواخر القرن الثامن عشر ، أكثر من ثلاثمائة كتاب يستقبل كل واحد منها ما بين خمسة عشر وثلاثين تلميذا ( هذه الأعداد مذكورة فى حجج الأوقاف الخاصة بهذه المنشآت التعليمية ) . ومعنى هذه الأرقام أن حوالى ثلث سكان القاهرة الذكور -- وقد قدر عدد سكان القاهرة سنة ١٨٠٠ فى كتاب وصف مصر بحوالى ٢٦٠،٠٠٠ نسمة -- قد مروا من نظام الكتاب ويجيدون القراءة والكتابة .
وكان أغلبية هؤلاء عندما يتخرجون من الكتاب ، يمارسون حياتهم العملية فى الحرف والتجارة ، ويعنى ذلك أن التعليم الأساسى قد وصل لأعداد كبيرة من سكان العاصمة ، الذين لم يأخذوا العلم كنشاط أساسى ، وأن الكلمة المكتوبة لم تكن احتكارا لطبقة معينة مثل طبقة العلماء ، ولكنها انتشرت خارج المؤسسات التعليمية الكبيرة مثل الأزهر ، إلى فئات أخرى من المجتمع .

وعلى الرغم من أن التعليم فى الكتاتيب ظل محدودا بالنسبة للموارد والإمكانات ، إلا أنه كان لانتشار القراءة والكتابة تأثير على الساحة الثقافية والفنية . فمثلا يمكن أن تربط بين انتشار القراءة والكتابة وبين ظاهرة أخرى ، وهى انتقال الأدب الشفوى إلى أدب مكتوب ، وهى ظاهرة مهمة انتشرت فى نفس الفترة ، والأمثلة على ذلك كثيرة لعل أشهرها هو عمل " ألف ليلة وليلة " ، هذا العمل كان ينتقل شفويا من جيل إلى جيل عبر العصور ، ثم فى العصر المملوكى انتقل إلى الأدب المكتوب وظهرت المخطوطات لهذا العمل ، وأثناء هذا العصر الذى نحن بصدده انتشرت هذه المخطوطات وزاد عددها ازديادا ملحوظا . وينطبق هذا الكلام عن تأثير تعليم الكتاتيب على سير أخرى ، كانت فى الأصل جزءا من التراث الشفوى حتى وجدنا كتبا تنقل النكات والحكايات ، التى كانت تتردد بين الناس شفويا مثل " نكات وحكايات جحا " التى نقلها صاحب كتاب " أنيس الجليس" .

ويمكن فى ضوء ذلك اعتبار انتشار التعليم الأساسى نوعا من التحديث ، حيث أن فئات فقيرة ومتوسطة من سكان العاصمة ، لاهى من طبقة العلماء ولا من طبقة العسكر الحاكمة قد استفادت منه ، وهذا النمط من التحديث لم يأت من الأعلى ، ولم يكن نتيجة قرارات صدرت من السلطات الحاكمة ، ولكنه ظهر نتيجة لعوامل اجتماعية واقتصادية مكنت الفئات الاقتصادية فى المجتمع من الاستغناء عن عمالة الصبيان حتى يتموا تعليمهم فى الكتاب
الكتاتيب وتحديث المجتمع المصرى الكتاتيب وتحديث المجتمع المصرى بواسطة Misr Today on نوفمبر 07, 2018 Rating: 5

بيزنس إيجنت

ا اخبا ر